فخر الدين الرازي
341
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وجوابه : أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي ، وكان فاعل تلك الدواعي هو اللَّه تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو اللَّه تعالى . ثم قال تعالى : فَقَتَلَهُ قيل : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ، فظهر له إبليس وأخذ طيرا وضرب رأسه بحجر ، فتعلم قابيل ذلك منه ، ثم إنه وجد هابيل نائما يوما فضرب رأسه بحجر فمات . وعن عبد اللَّه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها » وذلك أنه أول من سن القتل . ثم قال تعالى : فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ، وأما الآخرة فهو العقاب العظيم . قيل : إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها ، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك ، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار . وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض ، فسأله آدم عن أخيه ، فقال ما كنت عليه وكيلا ، فقال بل قتلته ، ولذلك اسود جسدك ، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط . قال صاحب « الكشاف » يروي أنه رثاه بشعر . قال وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون ، والأنبياء معصومون عن الشعر ، وصدق صاحب « الكشاف » فيما قال ، فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين ، فكيف ينسب إلى من جعل اللَّه علمه حجة على الملائكة ثم قال تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 31 ] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) [ في قوله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل : لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث اللَّه غرابا ، وفيه وجوه : الأول : بعث اللَّه غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ، فتعلم قابيل ذلك من الغراب . الثاني : قال الأصم : لما قتله وتركه بعث اللَّه غرابا يحثو التراب على المقتول ، فلما رأى القاتل أن اللَّه كيف يكرمه بعد موته ندم وقال : يا ويلتي . الثالث : قال أبو مسلم : عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه . المسألة الثانية : لِيُرِيَهُ فيه وجهان : الأول : ليريه اللَّه أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز . المسألة الثالثة : سَوْأَةَ أَخِيهِ عورة أخيه ، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده ، والسوأة الفضيحة لقبحها . وقيل سوأة أخيه ، أي جيفة أخيه . ثم قال تعالى : قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ وفيه مسائل :